محمد العضايلة – رئيس الهيئة العربية للبث الفضائي والرقمي
لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو تغطية الأحداث بل أصبح أحد أهم الأدوات القادرة على تشكيل الرأي العام وصناعة الوعي والتأثير في سلوك الأفراد والمجتمعات… وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة بات السؤال الأهم كيف نترك أثرا حقيقيا فيه.
صناعة الأثر في الإعلام تختلف كثيرا عن صناعة المحتوى فليس كل محتوى يحقق أثرا كما أن كثرة المشاهدات أو أعداد المتابعين لا تعني بالضرورة نجاح الرسالة الإعلامية. الأثر الحقيقي يقاس بقدرة المادة الإعلامية على إحداث تغيير في المعرفة أو تعديل اتجاه أو تحفيز سلوك إيجابي أو فتح نقاش مجتمعي حول قضية تستحق الاهتمام.
لسنوات طويلة ارتبط نجاح الوسائل الإعلامية بحجم انتشارها أما اليوم فقد أصبحت قيمة الإعلام تقاس بالقدره على احداث فرق في حياة الناس. فالخبر الذي يسلط الضوء على قضية إنسانية وينجح في دفع الجهات المعنية لمعالجتها أكثر تأثيرا من عشرات الأخبار التي تحقق نسب مشاهدة مرتفعة ثم تختفي دون أن تترك أي نتيجة.
الإعلام العربي يمتلك اليوم فرصة تاريخية لإعادة تعريف دوره فالعالم العربي يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وثقافية وتنموية معقدة وهو بحاجة إلى إعلام يتجاوز نقل الوقائع إلى المساهمة في إيجاد الحلول وهذا يتطلب الانتقال من الإعلام الذي يكتفي بوصف المشكلة إلى إعلام يبحث عن أسبابها ويعرض التجارب الناجحة ويمنح الخبراء وأصحاب المبادرات مساحة لطرح البدائل.
وهنا لا يمكن الحديث عن صناعة الأثر دون الحديث عن المصداقية فالجمهور العربي اصبح اكثر قدرة على التمييز بين المعلومة الدقيقة والإشاعة وبين التحليل المهني والرأي المتحيز وهنا تبرز اهمية التحقق من المعلومة. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتدفق المعلومات من مصادر متعددة الموثوق منها والغير موثوق أصبحت الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية من خلال المحافظة على مصداقيتها وتتبع الخبر والتاكد من موثوقيته ودقته حيث ان من يفقد ثقة جمهوره يفقد تأثيره مهما امتلك من إمكانات تقنية أو مالية.
أن صناعة الأثر تحتاج إلى إعلاميين يمتلكون أدوات التفكير النقدي والقدرة على قراءة التحولات الاجتماعية وفهما عميقا لطبيعة الجمهور المستهدف. فالإعلام المؤثر لا يعتمد فقط على الإثارة او العناوين الصادمة بل يبني رسالته على المعرفة والبيانات الدقيقة والقصص الإنسانية الواقعية التي تلامس واقع الناس وتلبي اهتماماتهم.
كذلك من المهم أن تتبنى المؤسسات الإعلامية العربية مفهوم “الإعلام التنموي” الذي يجعل من وسائل الإعلام شريكا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وهنا تبرز اهمية الخطة الاستراتيجية العربية للتنمية المستدامة 2030 والتي اطلقتها جامعة الدول العربية والخطط التي تبناها مجلس وزراء الإعلام وقطاع الإعلام والاتصال من خلال تعزيز ثقافة الابتكار ودعم التعليم وتمكين الشباب والمرأة وترسيخ قيم المواطنة وسيادة القانون. فالإعلام ليس مراقبا فحسب بل هو أحد الفاعلين الرئيسيين في صناعة المستقبل.
وهنا لا بد لنا أن نتنبه للواقع الجديد الذي نعيشه في عصر الذكاء الاصطناعي وتقنياته والذي فرض نفسه وبقوة في صناعة الاعلام فقد أصبحت المؤسسات القادرة على فهم اهتمامات الجمهور وتحليل تفاعلاته أكثر قدرة على إنتاج محتوى يحقق اثرا أكبرمن خلال تقينات الذكاء الاصطناعي الحديثة… إلا أن الإنسان يبقى هو صاحب الرسالة وصانع القيمة.
صناعة الأثر في الإعلام العربي تحتاج كذلك إلى الاستثمار في البحث العلمي والدراسات الإعلامية لان القرارات التحريرية لا ينبغي أن تبنى على الانطباعات أو الاجتهادات الشخصية فقط وإنما على بيانات دقيقة ودراسات تقيس اتجاهات الجمهور ومستوى التأثير الفعلي للمحتوى المنشور وهذا ما يدفع العديد من المؤسسات الإعلامية العالمية إلى إنشاء مراكز بحث متخصصة تعمل بالتوازي مع غرف الأخبار.
من هنا تبرز اهمية الشراكة بين الإعلام ومؤسسات الدولة والجامعات ومراكز الدراسات ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص وتحديدا في القضايا الكبرى مثل الأمن الفكري والتغير المناخي والاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال ومكافحة خطاب الكراهية تحتاج إلى جهود تكاملية يكون الإعلام فيها منصة للحوار وجسرا بين المعرفة وصانع القرار والمجتمع.
مستقبل الإعلام العربي لن تحدده سرعة نقل الخبرفحسب لأن هذه الميزة أصبحت متاحة للجميع بل سيحدده مدى قدرته على إنتاج محتوى موثوق عميق وإنساني يساهم في بناء الوعي ويترك أثرا مستداما في المجتمع… فالإعلام الذي يصنع الأثر هو الإعلام الذي يغير الواقع نحو الأفضل ويمنح الناس المعرفة قبل الإثارة والأمل قبل الخوف والحلول قبل تضخيم المشكلات… ويبقى الأثر هو المعيار الحقيقي لنجاح أي رسالة إعلامية فقد ينسى الناس تفاصيل خبر أو تقرير بعد أيام لكنهم لا ينسون فكرة الهمتهم أو قصة غيرت نظرتهم للحياة أو حملة إعلامية ساهمت في تحسين حياتهم وبشكل ملموس.. ومن هنا تكمن الرسالة الأسمى للإعلام أن يكون قوة لبناء الإنسان والمجتمع لا مجرد وسيلة لنقل الأحداث