سؤال يتردد كثيرا في الآونة الأخيرة وترافقه موجة واسعة من الانتقادات التي اقرأها واسمعها يوميا عبر منصات التواصل الاجتماعي… المفارقة أن كثيرا من هذه الآراء والانتقادات تصدر عن صحفيين وإعلاميين سابقين أو عن أشخاص دخلوا إلى فضاء الإعلام دون تجربة حقيقية أو خبرة مهنية راسخة حتى بات البعض يطرح أحكاما قاطعة تستند إلى الانطباعات أكثر مما تستند إلى المعرفة بطبيعة العمل الإعلامي وتعقيداته.
محمد العضايلة – رئيس الهيئة العربية للبث الفضائي والرقمي
ومن هنا فإن الحديث عن “إعادة هيكلة المنظومة الإعلامية” يجب ألا يكون شعارا يرفع كلما ظهرت ملاحظة أو انتقاد بل ينبغي أن ينطلق من قراءة موضوعية لما تحقق خلال السنوات الأخيرة وما يجري العمل عليه داخل المؤسسات الإعلامية الوطنية.
فبالرغم ما تواجهه الحكومة من تحديات اقتصادية وضغوط على الموازنة العامة فإنها لم تتعامل مع الإعلام باعتباره قطاعا هامشيا بل أولته اهتماما واضحا إدراكا منها أن الإعلام الوطني يمثل أحد أهم أدوات بناء الوعي وتعزيز الثقة وحماية الأمن الوطني والفكري.
من خلال متابعتي لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية أجد أنها تعمل باجتهاد خلال السنوات الأخيرة على تطوير بنيتها المؤسسية وتحديث أدواتها الفنية والارتقاء بمحتواها البرامجي والإخباري بما يتواءم مع التطورات المتسارعة في الإعلام الرقمي ويحافظ في الوقت ذاته على رسالتها الوطنية باعتبارها المؤسسة الإعلامية الرسمية الأعرق في المملكة… وبالرغم من حجم التحديات فإن المؤسسة تواصل عملية التطوير والتحديث بصورة متدرجة ومدروسة
وهو جهد يستحق التقدير والدعم لا النقد العشوائي.
أما قناة المملكة فمنذ انطلاقها استطاعت أن ترسم لنفسها هوية إعلامية واضحة وأن تثبت حضورها محليا وعربيا من خلال تغطية مهنية للأحداث المحلية والعربية وحتى الدولية واعتمادها نهجا يقوم على سرعة نقل الخبر وتحليل القضايا بعمق وتقديم برامج حوارية ووثائقية تتناول الملفات الوطنية والإقليمية بمستوى مهني متقدم.. وعلينا ان نعترف انها نجحت في بناء ثقة واسعة لدى جمهورها وأصبحت نموذجا للإعلام المؤسسي الحديث الذي يجمع بين المهنية والمصداقية.
وتبقى وكالة الأنباء الأردنية (بترا) الركيزة الأساسية في منظومة الأخبار الوطنية فهي المصدر الرسمي الذي يعتمد عليه الإعلام المحلي والعديد من وسائل الإعلام العربية والدولية في نقل الأخبار المتعلقة بالاخبار المحلية وقد حافظت الوكالة على مكانتها من خلال الالتزام بالسرعة والدقة والمهنية المشهود لها إلى جانب مواكبتها للتطورات التقنية في مجال صناعة المحتوى الإخباري.
ولا يمكن الحديث عن تطوير المنظومة الإعلامية دون الإشارة والإشادة بالدور الذي تضطلع به وزارة الاتصال الحكومي التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة شريكا أساسياً في تعزيز منظومة التواصل بين الدولة والمواطن فمن خلال المبادرات والبرامج والحملات التوعوية عملت الوزارة على ترسيخ مفهوم الاتصال الحكومي الفاعل ومواجهة الشائعات وتعزيز حق المواطن في الحصول على المعلومة والإسهام في صناعة الوعي المجتمعي تجاه مختلف القضايا الوطنية وهو ما يشكل أحد أهم مرتكزات تطوير البيئة الإعلامية الأردنية.
وهنا يبرز الدور المهم الذي يقوم به الناطق الرسمي باسم الحكومة من خلال التواصل المستمر مع وسائل الإعلام وعقد الإيجازات الصحفية وشرح القرارات الحكومية للرأي العام والرد على الاستفسارات بما يعزز الشفافية ويحد من تداول المعلومات غير الدقيقة ويجسد نهجا قائما على الانفتاح والتواصل المباشر مع المواطنين.
تطوير الإعلام عملية تراكمية ومستمرة لا ترتبط بزمن محدد ولا تتوقف عند مرحلة بعينها كما أنه لا توجد منظومة إعلامية في أي دولة بلغت حد الكمال أو أصبحت بمنأى عن التحديات وقبل إطلاق الأحكام أو تبني خطاب التشكيك يجدر بنا أن نتأمل واقع كبريات المؤسسات والمدارس الإعلامية على المستويين الإقليمي والدولي حيث سنلمس حجم التحولات والارتباكات التي تواجهها نتيجة المتغيرات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية إلى جانب المنافسة المتصاعدة مع الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي وما تفرضه من تحديات غير مسبوقة.
من هنا فإنه من غير المنصف تجاهل ما تحقق في الأردن من خطوات تطويرية ملموسة أو التقليل من الجهود التي تبذلها المؤسسات الإعلامية الوطنية لتحديث أدواتها ونهجها وتعزيز كفاءتها المهنية وتطوير محتواها بما يمكنها من مواكبة المتغيرات المتسارعة وترسيخ إعلام وطني مهني مسؤول وقادر على خدمة الدولة والمجتمع بكفاءة واقتدار.
علينا ان ندرك أن الأردن دولة مؤسسات راسخة قامت على القانون والمنظومة الإعلامية الأردنية ليست أفرادا أو اجتهادات عابرة بل هي منظومة مؤسسات وطنية ثابتة ومتجذرة تتكامل أدوارها لخدمة الوطن والدفاع عن مصالحه وتبقى عملية تطويرها مسؤولية مشتركة تقوم على النقد المهني البناء لا على التشكيك أو التقليل من الإنجازات